عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

526

اللباب في علوم الكتاب

المؤمنين كارهين لحكم اللّه ، وتكليفه ، وذلك غير جائز ؛ لأن المؤمن لا يكون ساخطا لأوامر اللّه وتكليفه ، بل يرضى بذلك ، ويحبّه ، ويعلم أنه صلاحه ، وتركه فساده ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أن المراد من « الكره » كونه شاقّا على النفس ، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما فيه كلفة ، ومشقة ، ومن المعلوم : أن الحياة من أعظم ما يميل الطبع إليها ، فلذلك كان القتال من أشقّ الأشياء على النفس ، لأنّ فيه إخراج المال ، والجراحات ، وقطع الأطراف ، وذهاب الأنفس ، وذلك أمر يشق على الأنفس . والثاني : أن يكون المراد منه كراهتهم للقتال قبل أن يفرض ؛ لما فيه من الخوف ، ولكثرة الأعداء فبيّن تعالى أن الذي تكرهونه من القتال خير لكم من تركه ، لئلّا تكرهونه بعد أن فرض عليكم . قال عكرمة « 1 » : نسخها قوله تعالى : سَمِعْنا وَأَطَعْنا [ النساء : 46 ] يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه . قوله « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا » ، « عسى » فعل ماض ، نقل إلى إنشاء الترجّي والإشفاق ، وهو يرفع الاسم وينصب الخبر ، ولا يكون خبرها إلا فعلا مضارعا مقرونا ب « أن » ، وقد يجيء اسما صريحا ؛ كقوله [ الرجز ] 1049 - أكثرت في العذل ملحّا دائما * لا تكثرن إنّي عسيت صائما « 2 » وقالت الزّبّاء : « عسى الغوير أبؤسا » « 3 » وقد يتجرّد خبرها من « أن » ؛ كقوله : [ الطويل ] 1050 - عسى فرج يأتي به اللّه إنّه * له كلّ يوم في خليقته أمر « 4 »

--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 188 . ( 2 ) البيت لرؤية : ينظر ديوانه ( 185 ) ، ابن الشجري 1 / 164 ، الهمع 1 / 130 ، الخصائص 1 / 98 ، الدرر 1 / 107 ، الدر المصون 1 / 526 . ( 3 ) ينظر : مجمع الأمثال 2 / 341 ( 2435 ) ، والدر المصون 1 / 526 . ينظر شرح شذور الذهب ص 351 ، والدرر 2 / 157 ، وشرح ابن عقيل ص 166 ، والصاحبي في فقه اللغة 157 ، والمقاصد النحوية 2 / 214 ، وهمع الهوامع 1 / 131 ، والدر المصون 1 / 526 . ( 4 ) البيت لهدبة بن خشرم ينظر خزانة الأدب 0 / 328 ، 330 ، وشرح أبيات سيبويه 1 / 142 ، والدرر 2 / 145 ، وشرح التصريح 1 / 206 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 97 ، وشرح شواهد المغني ص 443 ، والكتاب 3 / 159 ، واللمع ص 225 ، والمقاصد النحوية 2 / 184 ، وأسرار العربية ص 128 ، وأوضح المسالك 1 / 312 ، وتخليص الشواهد ص 326 ، وخزانة الأدب 9 / 316 ، والجنى الداني ص 462 ، وشرح ابن عقيل ص 165 ، وشرح عمدة الحافظ ص 816 ، والمقرب 1 / 98 ، وشرح المفصل 7 / 117 ، 121 ، ومغني اللبيب ص 152 ، والمقتضب 3 / 70 وهمع الهوامع 1 / 130 ، والدر المصون 1 / 526 .